الوعود الذابلة.. حين يخذلك المخطط الأخضر في عيد الأضحى

إزوران بريس- هند بومديان

في قلب كل فلاح مغربي، كان المخطط الأخضر بمثابة شعاع أمل، وعود براقة بمستقبل زراعي مزدهر، واكتفاء ذاتي يضمن الأمن الغذائي. لكنه اليوم يترنح على حافة الفشل، مخلفًا وراءه واقعًا زراعيًا هشًا وأسعارًا ملتهبة، جعلت عيد الأضحى يتحول من فرحة موسمية إلى عبء ثقيل على كاهل المواطن البسيط.

فحين وُضِعَ هذا المخطط قبل أكثر من عقد، كان الهدف النهوض بالقطاع الفلاحي، رفع الإنتاج، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لكن ما حصل هو العكس. الفلاح الصغير بات يواجه أزمات لا تنتهي: قلة التساقطات، ارتفاع أسعار العلف، تحكم الوسطاء والمضاربين في الأسواق، وغياب سياسات تحميه من تقلبات السوق. في المقابل، ظل الدعم موجهاً لفئة بعينها، تاركًا صغار المربين في دوامة الخسائر، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الأضاحي، التي قفزت بشكل جنوني، ليجد المواطن المغربي نفسه بين نارين: إما شراء الأضحية بأسعار تفوق قدرته الشرائية، أو التخلي عن سنة توارثها الأجداد.

المفارقة الصادمة أن المغرب، البلد الفلاحي بامتياز، أصبح يعاني من شح المنتجات الأساسية وارتفاع أسعارها، وكأن المخطط الأخضر لم يكن سوى حبر على ورق، أو مشروعًا تجارياً خدم فئة دون أخرى. ورغم الميزانيات الضخمة التي ضُخت في القطاع الفلاحي، إلا أن النتائج على أرض الواقع كانت صادمة: ارتفاع مهول في أسعار اللحوم، تراجع الإنتاج الحيواني، وانهيار القدرة الشرائية للمواطن، في مقابل أرباح خيالية حققتها فئة محدودة من كبار المستثمرين في المجال.

إن فشل المخطط الأخضر لا يقتصر فقط على الإنتاج الحيواني، بل يشمل أيضًا الزراعة ككل. فالفلاح البسيط، الذي كان يُنتظر أن يكون المستفيد الأول، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الجفاف، غلاء مستلزمات الإنتاج، وانعدام الدعم الحقيقي. هذا الوضع انعكس على السوق، حيث باتت الخضر والفواكه تُباع بأثمان خيالية، ما جعل المواطن المغربي يطرح تساؤلات حارقة: أين ذهب المخطط الأخضر؟ ولماذا لم يحقق أهدافه في تأمين غذاء المغاربة؟

وفي ظل هذا الوضع المتأزم، يأتي عيد الأضحى ليعمق الجراح. الأسر ذات الدخل المحدود تجد نفسها بين نار الحاجة إلى حفظ هذه الشعيرة الدينية، ونار الأسعار التي تجاوزت المعقول. البعض سيضطر إلى الاستدانة، وآخرون سيبحثون عن حلول بديلة كشراء حصص جماعية، بينما فئة أخرى ستضطر إلى التخلي عن الأضحية نهائيًا، في مشهد لم يكن مألوفًا في المجتمع المغربي.

إن الحديث عن أزمة أضحية العيد هو في جوهره حديث عن أزمة منظومة فلاحية برمتها. فلا يمكن فصل ارتفاع الأسعار عن السياسات الزراعية التي لم تراعِ العدالة في توزيع الدعم، ولم تستثمر في حلول حقيقية تحمي الفلاح الصغير وتضمن استقرار السوق. وبينما يترقب المواطن حلولًا ملموسة، تستمر الأزمة في التفاقم، ويبقى السؤال معلقًا: هل سيكون عيد الأضحى القادم أقل وطأة على جيوب المواطنين؟ أم أننا أمام واقع جديد تُصادر فيه طقوسنا الدينية بفعل فشل السياسات الزراعية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد