عبد الوهاب بلكوش، الدبلوماسي المغربي المرموق، بدأ مسيرته الدبلوماسية في سن الثانية والعشرين. امتدت مسيرته على مدار أربعة عقود، تولى خلالها العديد من المناصب، بما في ذلك سفيرًا لأربع دول وعمل في عدة أدوار رئيسية داخل وزارة الخارجية. كانت مسيرته الرائعة قد أخذته من العراق إلى النرويج وسوريا، وأخيرًا إلى هولندا حيث اختتم مسيرته كسفير للمملكة المغربية.
وُلد بلكوش في مدينة الحسيمة عام 1954، وكانت بداياته متواضعة. بعد إتمام دراسته الابتدائية في مدرسة محمد الخامس والثانوية في ثانوية أبي يعقوب البديسي، حصل على شهادة في القانون عام 1976 من جامعة محمد الخامس في الرباط. بدأت طريقته في السلك الدبلوماسي مباشرة بعد تخرجه، حيث انضم إلى وزارة الخارجية المغربية عام 1976 كجزء من الخدمة المدنية. على الرغم من رغبته في مواصلة دراسته، إلا أنه بقي في الوزارة حيث عمل في الشؤون القانونية حتى عام 1979.
كانت أول مهمة دبلوماسية كبيرة له في عام 1979، عندما انتقل إلى جنيف للانضمام إلى البعثة الدائمة للمغرب لدى الأمم المتحدة. كانت هذه بداية مسيرته الطويلة والمتميزة في مجال الدبلوماسية، حيث شغل مناصب مهمة بما في ذلك رئيس قسم الشؤون القانونية والمعاهدات. قدمت له هذه الفترة في الأمم المتحدة والتكليفات اللاحقة خبرات لا تقدر بثمن في مجال الدبلوماسية الدولية والشؤون القانونية.
في عام 1989، تم تعيين بلكوش ممثلاً دائمًا للمغرب لدى الأمم المتحدة في نيويورك، حيث عمل بشكل مكثف في القضايا القانونية داخل اللجنة السادسة للأمم المتحدة. خلال هذه الفترة، كانت مشاركة المغرب في مجلس الأمن، وخاصة فيما يتعلق بالعراق، فصلًا مهمًا في مسيرته المهنية. وجد بلكوش نفسه متورطًا بشكل عميق في تعقيدات القانون الدولي وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، خاصة تلك المتعلقة بالعراق وقضية أسلحة الدمار الشامل.
جاءت أولى تعييناته كسفير في عام 1996، عندما تم تعيينه سفيرًا للمغرب في العراق. خلال فترة خدمته في العراق، واجه العديد من التحديات، بما في ذلك الوضع السياسي الصعب بسبب العقوبات المستمرة وظروف الحياة القاسية. يتذكر بلكوش الصعوبات التي واجهها هو وفريقه، بما في ذلك غياب السفر الجوي، مما أجبرهم على السفر بالبر للحصول على الإمدادات. على الرغم من هذه التحديات، كان فخورًا بتمكنه من تقديم المساعدات الإنسانية للشعب العراقي، بما في ذلك ثلاث رحلات تحمل الغذاء والأدوية.
بعد فترة خدمته في العراق، عاد بلكوش إلى وزارة الخارجية وعمِل في منصب رئيس مكتب الوزير حتى عام 2001، حين تم تعيينه سفيرًا في النرويج. وكانت فترة خدمته في النرويج متميزة بجهوده لبناء علاقات دبلوماسية أقوى بين المغرب والدولة الاسكندنافية. في عام 2004، تم تعيينه سفيرًا في سوريا، وهو بلد ذو تاريخ وثقافة غنية. خلال فترة خدمته، شهد الاحترام الكبير الذي يكنه السوريون للمغرب، خاصة بسبب دور المغرب في حرب أكتوبر 1973.
في عام 2008، عاد بلكوش إلى المغرب لتولي منصب مدير البروتوكول في وزارة الخارجية، حيث خدم لمدة ست سنوات قبل تعيينه كسفير للمغرب في هولندا في عام 2013. كانت فترة خدمته في هولندا صعبة للغاية، حيث كانت العلاقة الدبلوماسية بين المغرب وهولندا متوترة. ومع ذلك، ساعدت مهاراته الدبلوماسية في إصلاح العلاقة، وعمل بلا كلل للدفاع عن مواقف المغرب في قضايا عدة، بما في ذلك وحدة التراب الوطني وحقوق المواطنين المغاربة في هولندا.
طوال مسيرته الدبلوماسية، كان بلكوش متورطًا بشكل كبير في الدفاع عن موقف المغرب في قضية الصحراء الغربية. كانت جهوده للترويج لخطة الحكم الذاتي للمغرب في المنطقة حاسمة، ونجح في كسب دعم العديد من البلدان، بما في ذلك هولندا. كما عمل بلكوش على قضايا هامة أخرى مثل حقوق المغتربين المغاربة وحماية ممتلكاتهم، خاصة فيما يتعلق بملكية العقارات في المغرب.
أحد الجوانب الأكثر أهمية في مسيرة بلكوش كان قيادته داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW). في عام 2017، تم انتخابه لرئاسة مؤتمر المنظمة، وهو شرف يعتبره إنجازًا كبيرًا في مسيرته. وفي عام 2021، تم تعيينه رئيسًا للمجلس التنفيذي للمنظمة. كانت قيادته في المنظمة حاسمة خلال فترة من المفاوضات الدبلوماسية المعقدة التي شملت روسيا وسوريا وفنزويلا، من بين دول أخرى.
لم تكن مسيرة بلكوش خالية من التحديات. فقد واجه العديد من المواقف السياسية الصعبة وكان عليه التنقل في قضايا حساسة، بما في ذلك تنفيذ القوانين الدولية وحماية مصالح المغرب في الخارج. ومع ذلك، فإن خبرته الواسعة في الدبلوماسية والشؤون القانونية والعلاقات الدولية مكنته من التعامل مع هذه التحديات بمهنية ومهارة. ويشدد بلكوش على أهمية التواصل الحذر والفهم العميق في الدبلوماسية، حيث يمكن لكلمة أو إيماءة واحدة أن يكون لها تأثير كبير في العلاقات الدولية.
وفي رسالته إلى الدبلوماسيين الشباب، يشدد بلكوش على أهمية الوعي والمسؤولية والفهم العميق للطبيعة الدقيقة للدبلوماسية. ويشجع الجيل الجديد من الدبلوماسيين على أن يظلوا حذرين ومحترمين في تفاعلاتهم، مع الحفاظ دائمًا على الوعي بالتأثيرات الأكبر التي يمكن أن يكون لها تصرفاتهم على المصالح الوطنية والعلاقات الدولية.
وعند التأمل في مسيرته المهنية، يشعر بلكوش بالفخر لما أنجزه في تمثيل المغرب والمساهمة في مكانته الدولية. ويلاحظ أنه على الرغم من أن مسيرته قد تكون قد شهدت العديد من الصعوبات، فإن المكافأة التي حصل عليها في خدمة وطنه وتأثيره الإيجابي في الدبلوماسية العالمية لا تقدر بثمن. رسالته إلى الدبلوماسيين الجدد واضحة: الدبلوماسية ليست مجرد مهنة بل هي مسؤولية تتطلب التفاني والحكمة والنزاهة.